محمد إبراهيم الحفناوي

280

دراسات اصوليه في القرآن الكريم

أما إذا كان البيان بدليل ظني سواء كان ظني الثبوت فقط ، أو ظني الدلالة فقط أو ظني الثبوت والدلالة فإنه في هذه الحالة يلتحق المجمل بالمؤول ، لأن البيان بالدليل الظني لا يكفى وحده لإزالة الإجمال ، بل يبقى اللفظ محتملا للتأويل ، ويكون الشارع بهذا البيان قد فتح الطريق أمام المجتهدين للتأويل بالبيان والنظر ومن ذلك أن مسح الرأس في الوضوء جاء مجملا في مقدار ما يمسح وقد بينه ما روى أنه صلى اللّه عليه وسلم توضأ ومسح ناصيته « 1 » . لكن يلاحظ أن هذا الحديث المبين لمقدار ما يمسح حديث ظني لا قطعي . وأما إذا لم يكن البيان وافيا التحق المجمل بالمشكل ، وانفتح باب الاجتهاد لبيانه ، لأنه حيث لم يبين الشارع المعنى فمقتضاه أن يترك أمر بيانه للمجتهد فيصير حكمه حكم المشكل وهو الطلب ، والبحث عن القرائن للوقوف على المعنى المراد . مثال ذلك : قال اللّه تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا « 2 » . وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً « 3 » . فلفظ الربا جاء في القرآن مجملا وقد ورد في السنة أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال في بيان الربا : « الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح والتمر بالتمر مثلا بمثل سواء بسواء بدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد » « 4 » . فهذا الحديث الشريف ظني ، ولم يحصر الربا في هذه الأنواع الستة

--> ( 1 ) الناصية : قصاص الشعر في مقدم الرأس - لسان العرب 5 / 4447 - . والحديث أخرجه مسلم في صحيحه 1 / 130 ( 2 ) سورة البقرة الآية : 275 . ( 3 ) سورة آل عمران الآية : 130 . ( 4 ) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري 1 / 692 .